قد رأيتمونا أنّه لا أثر لما جدّ من لدن يراعنا، اللهم إلا ما كان في الأيام الخالية، فها هي سحائبنا قد شحّت، و ينابيعنا قد جفّت، فيا حسرتاه على قلم كان له بالأمس أثر، حتى قال المنصف فارتقبه فإنّ له خبر، بيد أن النيّة على الأوبة معقودة، و ما بقي لها –بإذن المولى- إلا أيّاما معدودة، و ليتني كنت كما قلتم أنتم، فأبدعتم و أجدتم، فطليناه على صورة لنتلوه، و الأوْلى بنا أن نضعه بين الجفون لنجلوه:
دخل رمضانُ بالأمس القريبِ ببشائره و فضائله، " ورمضانُ نفحة إلاهية تهبّ على الأرض كل عام، و صفحة سماوية تتجلى على أهل هذه الأرض فتجلو لهم من صفات الله عطفه و برّه، و من لطائف الإسلام حكمتَه و سرَّه، فلينظر المسلمون أين حظّهم من تلك النفحة، و أين مكانهم من تلك الصفحة(1)، و قد ذهبَ من رمضان ثلثاه و انفصل فيهما العباد بين سابقٍ في الخيرات و مقتصد و ظالم لنفسه، و لم يبقَ منه إلا ثلثٌ للزيادة أو الإستدراك، و هو أَنفَسُ ما فيه... و لإنّي رأيتُ أكثر الناس تفترُ همَمُهم عند دُنوِ انقضاء الأعمال، رأيت أخي الصائم أن أذَّكركَ بأمور علّها تنفعكَ و تُنجيكَ من يومٍ عصيبٍ لا مردَّ لهُ من الله، فعُضَّ عليها بالنواجذ:
* الإجتهاد في العبادة في العشر الأواخر في رمضان:
و هذا الإجتهادُ يتأكد في لياليهنّ لما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك، إذْ أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من الرمضان، و الليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة(2).
عن عائشة – رضي الله عنها- قالت: كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، و أحيا ليله، و أيقظ أهله"(3) و في رواية :" كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" (4) و قولها شدّ مئزره كناية على اعتزاله للنساء في هاته الأوقات، فهذا أنشط للعبادة و المداومة عليها، و ليحصل له به كمالُ اغتنامِ الأوقات الفاضلة...
و لا يعني اعتزاله لنسائه هجران دفعهنّ للطاعاتِ، فعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان" (5)
و في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما شاء أن يصلي حتى إذا كان النصف من الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا .. }طه132. و كان سفيان الثوري يستحب للرجل إذا دخل العشر الأواخر أن يتجهد بالليل و يجتهد فيه، و يوقظ أهله و ولده للصلاة إن أطاقوا ذلك.
و أكثر أيها الصائم ! – حباك الله من نوره- من تلاوة القرآن و مدراسته و تدبره فهو مأدبة الله، و عليك بالجود " فرسول الله صلى الله عليه و سلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة"(6).
و لما كانت العزلة تعين على تفريغ القلب قَصْدَ استقامته على طريق سَيْرِه إلى الله تعالى، و جَمعِيَتِهِ على مولاه، و لمِّ شعثِه بإقباله بالكلية على الله، اُختصّت هذه الأيام باعتكاف، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان"(7) و عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده" (8)
* ليلة القدر:
حسبُ ليلة القدر من الفضائل أنها خير من ألف شهر:" إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ{2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ{3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ{4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ{5}- سورة الفجر-
و فيها يفرق كل أمر حكيم :" إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ{3} فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ{4}" – سورة الدخان-
أخي الصائم ! فكيف بك تسمع الله و مناديه إلى مَكرُمَته و لا تجيب داعيه ؟ فالعاقل الفطن من يغتنم المواسم الكثيرة الفضل، اليسيرة الوقت... فتنبه !
أما عن وقتها: فأرجح الأقوال أنها في أوتار العشر الأواخر من رمضان، و عليه يدل حديث عائشة رضي الله عنها، قالت:" و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور في رمضان و يقول: تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان"(9)
و إن أصابك ضعف أو عجز- لا أراكه الله-، فلا تُغلبنّ على السبع الأواخر، لِما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يُغلبنّ على السبع البواقي"(10).
و أراك بعد هذا تسألني و تقول: فكيف لي أن أتحراها؟
محروم من حُرِم أجرها و فاته إدراكُها و سعيد من نالها...
و تحرِّيها يكون بإحيائها طمعا فيماعند الله في الدار الآخرة من الثواب و الإجارة من الخزي و العقاب، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه"(11).
و يا لسواد ما تقدّم من ذنوبنا ! فما أحوجنا إلى ليلة نغسل فيها ذنوبنا كما يغسل الثوب الأبيض من الدنس...