لو أبصر المرء عيوب نفسه لانشغل بها عن عيوب النّاس؛ لأن المرء مطالب بإصلاح نفسه أولاً وسيسأل عنها قبل غيرها، وقد قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}المدثر: .38
لو أبصر المرء عيوب نفسه لانشغل بها عن عيوب النّاس؛
لأن المرء مطالب بإصلاح نفسه أولاً وسيسأل عنها قبل غيرها، وقد
قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}المدثر: .38
وقال: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} الإسراء: .15 وقال سبحانه: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: .164
وإذا كان العبد بهذه الصفة ـ مشغولاً بنفسه عن غيره ـ ارتاحت له النفوس، وكان محبوبًا من النّاس، وجزاه الله تعالى بجنس عمله، فيستره ويكف ألسنة النّاس عنه. أما من كان متتبعًا عيوب النّاس متحدثًا بها مشنّعًا عليهم فإنه لن يسلم من بغضهم وأذاهم، ويكون جزاؤه من جنس عمله أيضًا؛ فإن مَن تتّبع عورات النّاس تتبّع الله عورته، ومَن تتبّع الله عورته يفضحه ولو في بيته.
وقد يكون انشغال العبد بعيوبالنّاس والتحدث بها بمثابة ورقة التوت الّتي يحاول أن يغطي بها عيوبه وسوءاته، فقد سمع أعرابي رجلاً يقع في النّاس، فقال: ''قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب النّاس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها''.
والإنسان ـ لنقصه ـ يتوصل إلى عيب أخيه مع خفائه، وينسَى عيب نفسه مع ظهوره ظهورًا مستحكمًا لا خفاء به.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ''يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسَى الجِذْعَ في عينه''.
إن الانشغال بعيوبالنّاس يجُر العبد إلى الغيبة ولا بد، ونعلَم ما للغيبة من إثم ومساوئ يتنزّه عنها المسلم الصادق النبيل.
كما أن الانشغال بعيوبالنّاس يؤدي إلى شيوع العداوة والبغضاء بين أبناء المجتمع، فحين يتكلّم المرء في النّاس فإنّهم سيتكلمون فيه، وربما تكلموا فيه بالباطل.
وإذا رجعتَ إلى السلف الصالح رضي الله عنهم لوجدتَ منهم في هذا الباب عجبًا؛ إذ كانوا مشغولين بعيوب أنفسهم عن عيوب غيرهم، بل ينظرون إلى أنفسهم نظرة كلّها تواضع مع رفعتهم وعلو شأنهم رضي الله عنهم، بل كانوا يخافون إن تكلّموا في النّاس بما فيهم أن يبتلوا بما ابتلي به النّاس من هذه العيوب كما قال الأعمش: سمعت إبراهيم يقول: ''إنّي لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلّم فيه إلاّ مخافة أن اُبتلى بمثله''.