منذ ظهور الحاسبات الشخصية و بالاخص مع انتشار الشبكة العنكبوتية و نحن نسمع بمصطلحات واعدة كالثورة المعلوماتية و ظهر علماء يحاولون قراءة المستقبل و يرسمون صورا و رؤى انعكست حتى في قالب الروايات العلمية و الخيالية و الافلام
الانترنت وفرت لنا كما هائلا من المعلومات .. ربما اهم مظاهرها :
1- التعليم المفتوح : عن طريق الدراسة في الجامعات المفتوحة او الجامعات التي تتيح الدراسة عبر الانترنت ، اضافة الى الكورسات الحرة مثل ما يقدمه يوتيوب و غيره و لكن دون شهادة اعتماد
2- مواقع الموسوعات : و اهمها ويكيبيديا الموسوعة الحرة
3- المنتديات التعليمية : و هي كثيرة فلكل منتج او تخصص منتدى
4- مواقع الاخبار و التدوين : التي قللت من شان الطريقة التقليدية في الاخبار و الكتابة
5- المكتبات : مثل غوغل بوكس و امازون و غيرها و لكن الشيء المهم و الذي يجب الانتباه اليه هو أن كل هذا انما هو شيء يسير و جزء صغير من هذه الثورةالمعلوماتية ! فما لا شك فيه ان اغلب الترافيك و الزيارات و المشاركات يختص باجزاء اخرى من هذه الثورة بدءاً من المواقع الجنسية و المحتوى الضخم الذي يشكله على الانترنت و الملايين من الرواد ! مرورا بمواقع الموضة و فضائح الممثلين و سفاسف الامور انتهاء الى مواقع الدردشة و التعارف و الشبكات الاجتماعية التي تلعب الدور الاساسي في محتوى الانترنت هذه الايام
الان السؤال المهم اي الكفتين ترجح ؟؟
بالطبع الكفة الثانية فلا توجد اي مقارنة لا من حيث الكم و لا من حيث الزوار .. عليه هل يمكن ان نتنبأ بان الاي كيو ( مستوى الذكاء ) بالنسبة للجنس البشري في عملية ازدياد أو انحدار؟؟
دائما كانت الاجابة متفائلة خاصة عند من يكتبون عن الثورةالمعلوماتية و تقدم التكنولوجيا .. و لكن لماذا لا ننظر الى جانب أخر و هو أن التكنولوجيا لا تزيد من وعي و ذكاء الفرد بل ربما تزيد من غباءه !..
هل فعلا وجود كل هذه المصادر الضخمة في متناول كف الفرد يعطيه ذكاء و معرفة أكثر أم انه فقط خدعة نخدع بها أنفسنا بأننا نعرف الكثير !
خذ مثلا ظاهرة نقل البحوث و الواجبات من ويكيبيديا و غيرها بشكل الي !! هل فعلا تزيد من الكم المعرفي لدى الفرد .. أما انها بطريقة اخرى تزيد من غباءه و انخداعه بمدى معرفته !
هل سيكون الجيل الجديد مجرد مستمتع بفيديو كليبات يوتيوب و أفلام هوليود و ربما أفلام الجنس و الدردشة لساعات بلا فائدة و اذا شد همته فتح له حسابا في الشبكات الاجتماعية و ارسل الكثير من الهراء عبر تويتر !؟ او قضى نصف نهاره على المسنجر؟ و على جهة التحصيل الاكاديمي مجرد ناسخ من مصادر الانترنت .. منذ زمن رأيت فيلماً و ان كان كوميدياً إلا انه يطرح هذه النبوءة بجرأة و خلافاً لكل ما يشاع في ان الذكاء و المعرفة في ازدياد .. يتصور هذا الفيلم مستقبلا بعيدا 2500 .. و يرى أنه رغم التطور الهائل في التكنولوجيا و أن كل شيء الكتروني إلا ان المجتمع الانساني في قمة الغباء على كل الاصعدة لان العلماء بدلاً من أن يقوموا بحل المشكلات الأساسية .. انهمكوا في صالح الشركات التجارية و أن الشعب انهمك في الابتذال فلم يعد للذكاء مجال .. ربما لن يكون المستقبل بهذا السوء و لكن لو نظرنا فعليا و رأينا هموم الناس و طريقة تعاملهم مع الثورةالمعلوماتية لا اعتقد أننا سنفرح كثيرا ..
هل يمكن أن نقول عن التكنولوجيا أنها وصلت غايتها و أن الذي نراه الان مجرد ترف ؟
كان هناك تدوينا فاصبح هناك ميني تدوين ! كان هناك البريد الالكتروني فاصبح هناك الماسنجر ثم اصبح هناك بريد ماسنجر ! ( جوجل ويف) كان هناك شيء إسمه العلاقات الاجتماعية فاصبح هناك شيء إسمه الشبكات الاجتماعية ! كان هناك شيء إسمه حاسب آلي فاصبح هناك لابتوب ثم نيت بوك ثم ميني نت بوك ! كان هناك شيء إسمه الدخول الى الانترنت عبر الحاسب فاصبح هناك الدخول الى الانترنت عبر النت بوك ثم الجوال ثم التلفاز و أخيرا ربما نسمع عن طريق الميكرويف !
ثم لماذا كل هذا الاهتمام بحشر كل شيء في جيبي ! كل يوم إعلان الانترنت في جيبك ، أخر الاخبار في جيبك ، ويكيبيديا في جيبك ، أخر الأفلام في جيبك ، أخر الفضائح في جيبك ، مكتبك في جيبك ، خرائطك في جيبك ، كاميرتك ، حاسبك ، مرشدك ، تويترك، أغانيك و محاضراتك و كل شيء في جيبك!!!!! في حقيقة الأمر سينقضي عمري و لم أطلع على جزء يسير من هذه الاشياء التي في جيبي ! هل مجرد وضع المكتبات العامة على الانترنت سيؤدي الى ازدياد المعرفة ؟
أليست المكتبات موجودة الأن و لكن اين القراء؟ هل ظهور القراءة الالكترونية و أجهزتها الالكترونية فعلا سيحبب الناس في القراءة ؟
في واقع الامر لم نر توجه قوي نحو هذه الكتب الالكترونية الا ممن هم فعليا يحبون القراءة و يريدون حلاً لنقل كتبهم معهم عند السفر !.. هل تعلم بان أكثر الكتب الالكترونية مبيعا على هذه الاجهزة هي الروايات ثم القصص المصورة فكتب القصص الجنسية ؟ هل قارنت بين عدد زوار مواقع الجامعات على يوتيوب و بين زوار المقاطع الأخرى و مواقع الفيديو الجنسية ؟ التدوين الذي أتاح فرصة جميلة للاقلام الواعدة اصبح مجرد ابتذال و أغاني و فضائح و إذا ارتفع فهو مجرد خواطر كان من الاحرى بقائها في دفتر اليوميات !.. إضافة الى أن المنتديات على كثرتها يمكن تلخيصها في عدد قليل من المنتديات فالبقية مجرد تكرار و اعادة نسخ و لصق .. ناهيك عن مواقع التعارف و الشبكات الاجتماعية و مواقع الالعاب السخيفة .. الشاهد أن رغم كل ما يقال عن تطور التكنولوجيا و ازدياد مصادر المعرفة الا أننا لا نرى انعكاسا مناسبا على مدى فهم و وعي و ذكاء الافراد
أخيرا اشارة الى الذكاء الاصطناعي الموعود .. سمعنا مؤخرا عن برامج لتصحيح أوراق الاختبارات و لكن لم تغن عن مراجع بشري يراجع وراءها !
و لكن يبدو ان كل هذا الذي نراه من تفائل بخصوص الروبوتات و الذكاء الاصطناعي و محاكاة العقل البشري لن يكون قريبا كما يحاول البعض ايهامنا به .. إلى الأن و أعتى البرامج لا تستطيع حتى كتابة بيت شعر واحد ! و لا تستطيع ان تسوق السيارة آليا و لا تستطيع الروبتات ان تفعل شيئا بذكائها و إنما كل ما في الأمر امر و استجابة .. بل نلاحظ أن في مجال الذكاء الاصطناعي لا يوجد اي تقدم ملحوظ .. و لا يغرنكم ترف التكنولوجيا ! ثورة المعلومات فقط سهلت عملية التظاهر بالمعرفة كالشيخ الذي يدخل كلمة الطهارة لتظهر له كل الاحاديث التي يحتاجها لخطبته ! او كالكاتب العلمي الذي يجمع كلاماً من هنا و هناك ليخرج لنا موضوعاً ننبهر بطوله ! و لكن ستبقى هذه الثورة بكل برامجها و قواها عاجزة ان تأتي ببيت شعر بهذه البساطة و الجمال :
ها هنا يا قلب تبقـى و أنا راحل عنـك فلا قلب لدي اجرع الأحزان كأساً قاتلاً و تعاني من سهاد مقلتي