بحضنها غامرة!
إذ دخلتُها، أحسست مثل انشطار ذري يحدث في كياني مما عشت انشحن به من تلك الحمولة التاريخية التي لا تكاد مدينة جزائرية تضاهيها في سطوتها على الشعور الفردي، في استمرار حضورها في ذاكرتنا الجماعية، في انتصابها في وجداننا راسية من رواسي مقاومتنا؛ منبعُ العزم الجزائري، بؤرةُ الحركية التاريخية القصوى التي بلغتها صيرورتنا المعاصرة!
حيثما امتدت عيني، في كل زاوية، في كل شارع، في أي زقاق، تحت كل قوس، عند كل شجرة، لدى الأبواب القديمة، على الجدران العتيقة، ردّ إليّ رجْع التذكار ملامحَ وجوههم الصارمة، نظرات عيونهم القاسية، في ملابسهم التقليدية غالبا، بأياديهم العزلاء إلا من قبضات يشدون بها على إيمانهم، بقاماتهم المنتصبة بخطواتهم الواثقة؛ بصوتهم الآتي من عمق قرن وخمسة عشر عاما من بربرية جيش أضاع، أمام جشع قادته وحقد ساسته، جميع القيم الإنسانية التي تضبط سلوك الجيوش النظامية، ومن غطرسة حكومات استعمارية تعاقبت بالتمسك بمبدأ الإبادة لبسط ''السلام''، ومن همجية معمّرين جائعين كانوا في الأصل حثالات مجتمعاتهم قبل أن يصيروا في وضعية السارقين لأملاك غيرهم، ظلوا للحفاظ عليها، يرفعون من درجة سُعار حقدهم ويُقطّرون عصير عنصريتهم بما لم يعزلهم نهائيا فحسب ولكن بما عجّل أيضا بأن يحسم الجزائريون تجاههم الإجابة النهائية عن سؤالهم الأولي المتواصل منذ صيف 1830: الأرض أرضنا! وهؤلاء الغرباء الظالمون، ماذا يفعلون فوقها؟
رجالا، فتيانا، ونساء زغردن! زغردن في آذان ضحاياهم المضرجين في دمائهم، التي أمهرتهم إياها الشمس التي كانت تطلع كل فجر بلونه إلى صيف ,1962 وأطفالا ولدوا قبل عشرة أعوام كانوا مطوقين برعب المجزرة الكبرى سيصبحون بعد تسع سنين هم حَمَلة نشيد الجزائر في القلب والبندقية في اليد لإسقاط برقع الإهانة التي ألحقت بترابنا، بأجدادنا وآبائنا وأمهاتنا ومساجدنا ومدارسنا ودورنا وحدائقنا وبما كان يميزنا في لباسنا وطعامنا وعوائد أفراحنا وأقراحنا، في لغتنا وفي خطها، وبما كان يشدنا مثل حبل سري إلى الشرق، كل الشرق الآسيوي في تماسّه مع الإفريقي، حضارة وذوقا ووجدانا·
مثل أمّ، تماما، استنشقت منها رائحة صدرها الترابية المضمخة بمزيج تلك التعاقبات التي تعطيها هذه المهابة الوجودية، هذه الحظوة منا بكونها ملهمة العزة، وهي لا تحجب ذلك عمن في صدره بصيرة، ففاضت مشاعري بهذا الزخم، مثل بحر، الذي تتحرك به مدينة لا تشبهها أخرى من المدن الجزائرية في توثّبها المتكتل بنية واحدة في دفعة واحدة عمرانا موزعا بمقاييس وأشكال هندسية من معيار المدينة ذاهبة مقبلة، بشوارعها الواسعة الكبيرة سعة صدور أهلها وكبر قلوبهم، في تناغم بهيج، أجل بهيج! على إيقاع حداثي تجدر به مدينة مثلها يعشقها أهلها حد الغيرة عليها؛ فما تفتأ هي مثل العشيقة المولّهة، وأكرمْ بها عروسا، تطلب مزيدا من التودد والتظرف!
هنا شيء من سرها: سطيف أجمل المدن في وديتها واحتضانها!
بحق سيدي الخيّر،
وبأَمَديّة عين الفوارة وروح امرأتها المستورة بألف سر،
وبصمت عين الدروج البالغة إحدى عشرة،
وبتذكارات بيبان دزاير وبجاية وقسنطينة وبسكرة، والباب الخامس،
سطيف جميلتي، ظَلّي كما نحبك قلبا نابضا لشرقنا!
فعيون مدنه كلها عليك!
ولتقبلي لمسة حبيب من يدي!
إني قد حملت إليك شرَف غرْبنا