وظيفة الأسطورة في الحياة الإجتماعية أرنست كاسيرير يحتل موضوع الأسطورة والوعي الأسطوري مكانا كبيرا في فلسفة أرنست كاسيرير ( 1874 – 1945 ). وبداية إهتمامه بهذه الإشكالية صادفت
يحتل موضوع الأسطورة والوعي الأسطوري مكانا كبيرا في فلسفة أرنست كاسيرير ( 1874 – 1945 ). وبداية إهتمامه بهذه الإشكالية صادفت مطلع العشرينات حين جاء الإنعطاف الجوهري في فلسفته أي الإنتقال من قضايا فلسفة العلم وتحليل التعرف الطبيعي الى مسائل فلسفة الثقافة. وتبقى الأسطورة في فلسفته إحدى البنى التفكيرية الأساسية والمميزة للثقافة. وهذه المقالة مجتزأة من كتابه ( أسطورة الدولة ) الصادر في نيويورك في عام 1955.
يبدو أن الأسطورة هي الأقل ملموسية وتماسكا بين جميع ظواهر العالم. فوجهها الخارجي يذكر بنسيج غير متجانس صنع من شتى الخيوط. فهل هناك من أمل في العثور على صلة تربط عالم هوميروس بالطقوس الأكثر بربرية؟ وهل بالإمكان عند الرجوع الى الوراء ، العثور على مصدر مشترك بين العبادات المتهتكة لدى القبائل المتوحشة وممارسات السحرة الآسيويين ورقصات الدراويش المخبولة ودين الهند التأملي البارد – دين الأعماق ؟
قد يبدو منح إسم واحد لهذه الظواهر المختلفة جوهريا وغير المتفقة فيما بينها تماما و إخضاعها لفكرة واحدة ، أمرا إعتباطيا وغير مبرّر.
إلا أن المسألة تبدو مغايرة حين يسلط عليها ضوء آخر ويتم التعامل معها من زاوية أخرى. وتوجد هناك أحوال تنوع غير محدودة لمواضيع الأسطورة وطقوس العبادة، لايمكن تعدادها وتفسيرها أيضا. إلا أن دوافع التفكير والوعي الأسطوريين هي ذاتها في كلتي الحالتين دائما.
و في كامل النشاط البشري وجميع أشكال الثقافة نعثرعلى ( وحدة التنوع ). فالفن يخلق وحدة الحدس، والعلم وحدة التفكير ، والأسطورة وحدة الأحاسيس. و يفتح الفن امامنا عالم ( الأشكال الحيّة )، أما العلم فيرينا عالم القوانين والقواعد في حين أن الأسطورة تكون الوعي بالشمولية والهوية الأساسية للحياة.
في المعتقدات البدائية لامكان لمثل هذه الهوية التجريدية. فنحن نعثر ، هنا ، على شيء مغاير تماما وهو الرغبة العارمة والحارة لدى الأفراد في الإتحاد بحياة المجموع والطبيعة أيضا. وهذه الرغبة تطمّنها الطقوس الدينية.
وينصهر الأفراد حينها في شكل واحد وفي كل ّغير متنوع. وعندما يخوض الرجال الحرب في القبائل المتوحشة أو يقومون بعمل خطر آخر تحاول النساء الباقيات في البيوت مساعدتهم بالرقصات الطقوسية ، وقد يبدو هذا الأمر عبثا وحماقة إذا قدّرناه وفق مباديء التفكير الإمبيري و( قوانين السببية ).
إلا أنه يصبح مفهوما وواضحا تماما إذا إستقرأناه وقمنا بتفسيره من وجهة النظر الإجتماعية وليس من ناحية التجربة الفيزيقية. وفي رقصاتهن الحربية تتطابق النساء مع أزواجهن حيث يسهمن في آمالهم ومخاوفهم ومخاطراتهم. وهذه الصلة،صلة الود
وليس تلك( السبببية ) لايضعفها البعد المكاني الفاصل بل على العكس يعمل على تقويتها. فالجنسان يكونان جسدا واحدا لايتجزأ ، وما يخص هذا الجزء منه يخص الاخر. والعدد الكبير من المتطلبات الإيجابية والسلبية والتوصيات والتابو ليست إلا تطبيقا لهذا القانون العام. و لايخص القانون كلى الجنسين بل أفراد القبيلة كلها. وعندما تتوجه قرية ( داياك ) الى الأدغال لأغراض الصيد يكون محظورا على من بقي أن يلمس باليد الماء أو الزيت ، وإذا فعل هذا الشيء سيملك الصيادون أصابع مدهونة تفلت منها الفريسة. فهنا ليس المقصود هو الروابط الإمبيرية بين الأسباب والنتائج بل شدة وعمق التحسس بالعلاقات القائمة بين الناس.
ونلقى السمة ذاتها في المواقف أزاء جميع أشكال القرابة البشرية. وفي التفكير البدائي لاتفسر رابطة الدم فيزيزلوجيا فقط. فولادة الإنسان هي عمل أسطوري وليس من أعمال الطبيعة. والقوانين المتحكمة بتكائر الإنسان مجهولة. لذلك تعامل الولادة كنوع من التجسد الثاني. و قبيلة ( آرنوت ) في أستراليا الوسطى تعتبر أن روح الميت الذي يعود الى طوطمها ينتظر في أماكن معينة ولادتها من جديد. وهذه تتسرب الى أجساد النساء الكائنات قربها. وحتى الصلة بين الطفل وأبيه ليست طبيعية فقط. فهنا تحل محل السبببية الهوية الفعلية أيضا.
وفي الأنظمة الطوطمية لاتنحدر الأجيال الراهنة من أسلافها الحيوانات حسب بل هي تجسيد لها أيضا. وحين تحتفل هذه القبيلة بأكبر اعيادها الدينية وتمارس الطقوس المسماة أنتكيوما نجد أن أعضاءها يقدّمون طقسيا الحياة والموت ومغامرات أسلافهم ويحاكونها. وهؤلاء الأسلاف يظهرون أثناء الطقوس ، وحضورهم وتأثيرهم الطيب مرئيان وقابلان للتحسس المباشر ، و بدون هذا التأثيرالدائم تكون الطبيعة والحياة في حالة توقف .
فالمطر يكف عن الهطول والأرض لاتعطي ثمارها وتتحول البلاد كلها الى قفر. ومن خلال هذه المطابقة الأولى يؤكد الإنسان على وحدته الجوهرية مع أسلافه من البشر والحيوان ، وفي المطابقة الثانية يصهر حياته بحياة الطبيعة. وطبيعي أنه ليس ثمة فصل واضح بين هذه الحقول ، فهي كائنة بذات الدرجة، والطبيعة ليست بالنسبة للذهن البدائي ظاهرة فيزيقية تتحكم بها قوانين مادية. فالمجموعة ، مجموعة الحياة ، تشمل الكائنات الحية وغير الحية كلها.
وحسب معتقدات قبائل زونيس
ليست الأشياء الطبيعية وحدها كالشمس و الأرض والبحار بل الأدوات التي يصنعها الإنسان ، تنخرط في نظام كبير وواحد ، وهو نظام الحياة.
وإذا كان على الحياة ان تصان فعليها أن تكون مجدّدة ( بفتح الدال الأولى ) على الدوام ،إلا أن هذا التجديد لايملك طابعا بيولوجيا حسب بل بعتمد على بقاء الجنس البشري ، في هذه الحالة أيضا ، على الأنشطة الإجتماعية وليس الفيزيولوجية وحدها. وخير تعبير عن ذلك نلقاه في طقوس مرحلة البلوغ والتي هي عنصر ضروري ومهم لكل المجتمعات البدائية.
ولغاية سن معينة يعتبرالطفل مجرد مخلوق من مخلوقات الطبيعة ، ويكون تحت رعاية الأم التي تسهر على تطمين إحتياجاته المباشرة. بعدها يحصل تبدل فجائي في طبيعة الأشياء. الطفل ينضج و يصبح إنسان المجتمع. وهذا حدث حاسم في حياة الإنسان يجد تعبيرا خارجيا له في الطقوس والمراسيم الدينية المهمة. وحين يولد كائن إجتماعي جديد يموت ، بمعنى ما ، كائن طبيعي. ويمر الشبان الذين يخضعون لطقوس مرحلة البلوغ بالعديد من التجارب والإمتحانات الصعبة.
وكل واحد منهم يترك أهله ويمكث في مكان معزول تماما ، وعليه تحمل أشد الالام وحالات القسوة ، وفي بعض الأحيان عليه أن يشارك وحتى في طقوس دفنه إلا أنه حين يجتاز هذا الإمتحان تأتي اللحظة الخطيرة ، لحظة قبوله الى عالم الرجال وأسرار المجتمع الكبرى. وهذا القبول هو إنبعاث وبداية شكل للحياة جديد وأعلى.
وتظهر في الطبيعة دورة الحياة ذاتها التي تنشأ في المجتمع البشري وتخلق كائنه . فدورة فصول السنة لاتسببها قوى الطبيعة وحدها. إنها مرتبطة بصورة وثيقة بالحياة البشرية. والحياة والموت في الطبيعة هما جزء من دراما كبيرة ، دراما الموت البشري والإنبعاث ، ومن هذه الناحية تكون الطقوس المرتبطة بنمو النبات والتي نلقاها في الكثير من الأديان ، مماثلة لطقوس مرحلة البلوغ ، كذلك على الطبيعة أن تخضع لتجديد القوى الدائم وعليها أن تموت كي تحيا.
وعبادة آتيس وأدونيس وأزوريس تشهد على هذا المعتقد الأساسي الذي لايمكن إقتلاعه.
ويبدو الدين اليوناني كأنه بعيد عن هذه المفاهيم البدائية. ولدى هوميروس لانجد طقوسا سحرية ولا أرواحا ولا أشباحا ولا رعبا من الموت. وبوسعنا أن نطبّق على عالم اليونان تعريف فنكلمان الشهير وهو أن ميزة العبقرية اليونانية هي ( البساطة الجليلة و العظمة الهادئة ).
إلا أن تأريخ الأديان المعاصر يفيد بأن العظمة لم تكن خالية من احوال الإضطراب. و في مقدمة كتابه ( مقدمة الى دراسة الدين اليوناني ) يكتب جي. أي. هاريسن أن آلهة الأولمب الهوميروسية كانت بعيدة عن البدائية أيضا ، شأن الوزن السداسي لدى هوميروس.
غير أن تحت هذا الرداء الرائع نعثرعلى طبقة من التصورات الدينية وأفكار الشر والتطهير والتكفير. وهذه الطبقة التي تجاهلها هوميروس أو أخفاها ظهرت ثانية لدى الشعراء المتأخرين وخاصة آيسخيلوس. لقد نشأت أزمة عميقة في الثقافة والدين لدى اليونان ، هددت التصورات الهوميروسية كلها. فبساطة آلهة الأولمب وصفاؤهم إختفيا فجأة.
وزيوس رب السماء الصافية وأبوللو رب الشمس لم يقدرا على مقاومة وطرد القوى الشيطانية التي ظهرت مع عبادة ديونيزوس. فلدى هوميروس لم يجلس ديونيزوس بين آلهة الأولمب. لقد جاء متأخرا غريبا على الدين اليونانيوكربّ – مهاجر من الشمال. و ينبغي البحث عن بداياته في بلاد تراقيا وعلى أكبر إحتمال في العبادات الآسيوية. ونلاحظ في الدين اليوناني صراعا دائمابين قوتين مختلفتين. وتعبيره التقليدي هو(رفيقات ديونيزوس) ليوربيديس. فأشعاره هي شهادة طيبة على شدة الشعور الديني الجديد وقوته المنتصرة.