يحيى الأمير يبدو أن السعوديين الآن أكثر اشتراكا في الشعور بأنهم أهدروا كثيرا من وقتهم وجهدهم وحياتهم في الإصغاء لحفنة من الأفكار المتشددة، وعلى من لم يشعر بذلك بعد
يبدو أن السعوديين الآن أكثر اشتراكا في الشعور بأنهم أهدروا كثيرا من وقتهم وجهدهم وحياتهم في الإصغاء لحفنة من الأفكار المتشددة، وعلى من لم يشعر بذلك بعد أن يراجع كثيرا من الأزمات التي يعيشها ليدرك أن سببها الرئيس هو ذلك الإصغاء المبالغ فيه والذي أخذ الشارع السعودي الآن يعيد النظر في مدى ملاءمته لحياته ولتطلعه ولمستقبله.
وإذا كانت المرجعية الشرعية لدى مختلف شرائح الناس في المجتمع السعودي أمرا ضروريا ومهما للغاية في قبولهم لأي موقف أو مراجعة أي أمر، فالمراجعة الحالية والصحوة الحالية ضد التشدد لا تخلو من مرجعية دينية مهمة ومؤثرة يقودها نخبة من رجال الفقه الذين يدركون أن دورهم الحقيقي يتمثل في إعادة أجواء الصفاء بين الناس وبين الأحكام الشرعية بعد أن تأزمت العلاقة بينهم بسبب كثير من المواقف والأحكام المتشددة التي وجدت لها سندا طويلا عبر مؤسسات ومنابر، حتى وإن كانت مقبولة في زمنها إلا أنها ليست صالحة لحالة التطلع والنمو المستمرة في الشارع السعودي، هذه النخبة الفقهية الجديدة بما تقدمه من خطاب واع ومتزن ومناسب للحياة في دولة حديثة هي السند الشرعي الذي يدعم كثيرا من أفكار المراجعة التي تنتشر الآن على ألسنة السعوديين وخاصة الجيل الجديد من الشباب والشابات.
في الواقع، لقد أهدر التشدد الكثير من مقدراتنا بل ومن أخلاقنا، والفتيات اللواتي يتساءلن الآن عما يرونه من إهدار للحياء يتعرضن له وهن يشترين ملابسهن الداخلية من يد رجل لا خيار لهن في ذلك، سوف يدركن فورا أن الخصم الحقيقي والمتسبب الفعلي فيما يحدث هو صوت التشدد الذي أخذ يحرق ثوب الأخلاق ويتسبب في إحاطتها بكل العوامل التي تعين على إفسادها تحت طائلة المحافظة العمياء التي تتسبب غالبا في إنتاج ما هو معاكس تماما لما تدعو إليه. هذا المشهد لا تكاد تعثر عليه إلا في السعودية، إذ تكتظ محلات الملابس النسائية الداخلية بالباعة الشباب العرب والأجانب الذين يجدون أن احتكاكهم هنا بالنساء يصل إلى مستوى ربما لم يألفوه في بلدانهم بما فيها من انفتاح يعم كثيرا من مظاهر الحياة اليومية.
إن دولة المؤسسات إنما تتحرك وفق منطق المصلحة والمساواة والأمن والفرص وهو ما يجعل للناس فسحة في أن يحافظوا على قيمهم وعلى أخلاقهم وأن ينطلقوا منها لدعم المؤسسات والتكامل معها، خاصة في بلد تتكامل فيه مختلف الشروط التنموية، ومختلف متطلبات النهوض المستقبلي. ولأن أفكار الفقه التي وضعت كاستنتاجات واستنباطات من زمن ما قبل الدولة وما قبل المؤسسات، والتي في الغالب ما تحظى برجال فقه مخلصين يستطيعون صناعة رؤية فقهية واعية تستطيع أن تخاطب كل عصر بلغته، إلا أن غلبة كثير من الحفاظ التقليديين على المشهد الفقهي جعل منهم مجرد ناقلين للمعلومة وليسوا مؤثرين بها، وحينما اقتصرت وظيفتهم على النقل فلم يكن للأحكام الفقهية القديمة من بد سوى أن تصطدم مع الحياة الجديدة وهو ما قدم صورة غير حقيقية ولا مثالية للفقه وصوّرته عاجزا عن مجاراة الحياة، وقاصرا عن استيعابها بل وحولته في كثير من الأحكام المتشددة إلى عائق للحياة.
المرحلة الآن تكشف كيف أن القضية تأخذ أبعادا في التشدد والتحزب والتيارية حين يتحول كثير من الفقهاء المجددين إلى مادة لا للنقد والمراجعة والبحث وإنما للقدح والذم من قبل أصوات متشددة لا تجيد حرفة أخرى سوى النقل والتلقين وبالتالي ترى في كل من يخرج عليها خارجا على تدينها والتزامها.
السعودي الذي يمارس حياته اليوم بشكل مدني، هو في واقع الأمر أول وأبرز خصوم التشدد الذين أرادوا حصاره بدءا من مشروعات التعليم وصولا إلى تخويفه من الفضائيات وجوال الكاميرا، ولم يجد بدا من ترك أصواتهم وراء ظهره والإيمان بأن حياته الحقيقية إنما تنتعش في ظل قيم المؤسسات وطموحات التطور والانطلاق التي يعتمد فيها على قيمه الاجتماعية وثقافته الدينية. لكن السعوديين الآن وبشكل عام وهم يرون أنهم أمام مستقبل يحمل كل الفرص والعوامل التي تدفعه للنهوض والازدهار يشعرون بكثير من الفخر وهم يجدون أن في ما يحملونه من مواقف ضد التشدد لها ما يدعمها واقعا وفقها ومؤسسات، بل واحتياجا يتنامى كل يوم.
المعادلة التي تعم الحياة السعودية الآن تتلخص في مؤسسات حديثة وقفزات وطنية مستمرة، هي في الواقع ليست مجرد مبان أسمنتية ولكنها حزمة من أفكار البناء والتنمية الوطنية المناسبة لهذه المرحلة وهي أمور لا يمكن لها أن تتم وتؤدي دورها إلأ من خلال مؤسسات تعليمية وطنية ومؤسسات قضائية حديثة، ونظام يحافظ على الحريات العامة والأمن اليومي، وكوادر وطنية من رجال ونساء هذا الوطن، وإيمان بالمشروع الوطني المشترك، والاستمتاع بما في السعودية من تنوع وغنى ثقافي، وكل تلك المشروعات والتي تقوم عليها وتنفذها الدولة هي التي تحظى بالممانعة الأوسع من قبل التشدد والتقليدية، مما يجعل التشدد في الواقع مضادا لطموح الإنسان ومشروعه الوطني، وهو ما يبرر للسعوديين حالة الامتعاض التي يشعرون بها الآن وهم يحملون موقفا مضادا لذلك الإضرار الذي لحق بكثير من مؤسساتهم وطموحاتهم باسم المحافظة والالتزام.
الآن يدرك السعوديون جيدا من هو المتسبب في تعطيل كثير من طموحهم، بل وفي إشاعة كثير من المواقف مما لا يستسيغونه في أخلاقهم ومروءتهم، ويدركون جيدا من الأجدر باللوم حين يشاهدون النساء وهن يقلبن ملابسهن الداخلية بين أيدي رجال أجانب، لأن فقيها ما رأى أن ذلك أحفظ للعفة وأكثر صونا للفضيلة!
هذه المراجعة ستتحول إلى أيام طويلة من الحساب والنقد، سوف ينتصر في نهايتها طموح إنسان هذه الأرض بقيمه وثقافته ومستقبله.
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )