السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي العزيز إن مما يُعزّز مكانة المرء المسلم وصدق انتمائه لدينه وثباته على منهاج النبوة ثقته بنفسه المُستخلَصَة من ثقته بربه وبدينه، فالمسلم الواثق بنفسه
أخي العزيز
إن مما يُعزّز مكانة المرء المسلم وصدق انتمائه لدينه وثباته على منهاج النبوة ثقته بنفسه المُستخلَصَة من ثقته بربه وبدينه، فالمسلم الواثق بنفسه إنما هو كالطَّوْد العظيم بين الزَّوَابِع والعواصف، لا تعصف به ريح، ولا يَحطمه موج، وهذه هي حال المسلم الحقّ أمام الفتن والمتغيّرات، يرتقي من ثبات إلى ثبات، ويزداد تعلّقه بربه وبدينه كلما ازدادت الفتن، وادْلَهَمَّت الخُطُوب، وهو إبّان ذلك كله ثابت موقن، لا يستهويه الشيطان، ولا يلهث وراء كل ناعِق، حادِيه في هذا الثبات سلوك طريق الهدى وإن قلّ سالكوه، والنَّأي عن طريق الضلال وإن كثر الهالكون فيه. وبمثل هذا المنهج يصبح المؤمن الغُّرّ ممن وعى حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أمته بقوله: ((لا تكونوا إمَّعَة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا)) رواه الترمذي وحسنه.
والإمَّعَة ـ عباد الله ـ هو الذي لا رأي له، فهو الذي يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء، ضعيف العزم، كثير التردّد، قلبه مَحْضِن للدَّخَل والرِّيَب، تجدونه يومًا يمانيًّا إذا ما لاقى ذا يَمَنٍ، وإن يلاقِ مَعَدِّيًّا فعَدْناني، وهذا هو الإمَّعَة المَمْقُوت، وهو الذي عَنَاه النبي في الحديث الآنف ذكره.
ولقد أشار ابن مسعود –رضي الله عنه- إلى مثل هذا الصنف في زمنه حينما ظهرت الفتن فقال: (كنا في الجاهلية نعد الإمَّعَة الذي يتبع الناس إلى الطعام من غير أن يُدعى، وإن الإمَّعَة فيكم اليوم المُحْقِبُ الناسَ دينَه)، أي: الذي يقلّد دينه لكل أحد، وقال أيضًا: (ألا لا يقلّدنّ أحدكم دينه رجلاً؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر؛ فإنه لا أسوة في الشرّ).
إن من أعظم ما يقاوم به المرء وصف الإمَّعَة أن يكون ذا ثقة بنفسه، وذا عزيمة لا يُشتّتها تردّد ولا استحياء، فمن كان ذا رأي فليكن ذا عزيمة؛ فإن فساد الأمر أن يتردّد المرء. وبالتّتبع والاستقراء لأمور الشريعة وأحوال السلف عُلِم أنه لا تجتمع العزيمة والرأي السديد الموافقان لصِبْغة الله وشرعته ثَمَّتَ يحصل الفساد، وليس بخافٍ عنا موقف النبي في صلح الحديبية في حين أن بعض الصحابة رضي الله عنهم رأى أن ظاهر الصلح ليس في مصلحة المسلمين، ولكن ثقة النبي بربه وبوعده لم تورده موارد التردّد، ولم تؤثر على عزمه كثرة الآراء والتهويل.
وهذا أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- حينما أصَرّ على قتال المرتدّين وقد راجعه في ذلك بعض الصحابة غير أن الثقة بالله والقناعة بالدين كانت حافزًا قويًا في المُضِيّ قُدُمًا في نفاذ عزمه وعدم الالتفات إلى الآراء الأخرى نصرة للدين وإمضاءً للحق، وقد قال مقولته المشهورة: (والله، لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة)، فلم تكن كثرة الآراء والأصوات سبيلاً إلى إحْجَامه، وزعزعت قناعته عما كان عليه من الحق.
وقد ذكر الشيخُ ابن تيمية رحمه الله أن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- عندما أراد المسير لقتال الخوارج عرض له مُنَجِّم فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تسافر؛ فإن القمر في العَقْرب؛ فإنك إن سافرت والقمر في العَقْرب هُزِم أصحابك. فقال علي –رضي الله عنه-: بل نسافر ثقة بالله وتوكّلاً على الله وتكذيبًا لك. فسافر فبورِك له في ذلك السفر حتى قتل عامّة الخوارج، وكان ذلك من أعظم ما سُرَّ به –رضي الله عنه-.
عباد الله، لسائل أن يسأل فيقول: هل أحوال المجتمعات المعاصرة تستدعي الحديث عن الإمَّعَة؟ وهل هو من الكثرة بحيث يجب التحذير منه؟ فالجواب: نعم، لاسيما في هذا العصر الذي كثر فيه موت العلماء، واتخاذ الناس رؤوسًا جُهّالاً، والذي فشا فيه الجهل، وقلّ فيه العلم، ونَطَق الرُّوَيْبِضَة، وأصبح فيه الصَّحفي فقيهًا، والإعلاميّ مُشَرِّعًا، وقَلَّت فيه المَرْجَعِيّة الدينيّة وهَيْمنتها على الفتوى الصحيحة السالمة من الشوائب والدَّخَن، بل أصبح فيه الحديث والنطق من دَيْدن الرُّوَيْبِضَة، وهو الرجل التافِه يتكلّم في أمور العامة.
أيها المسلمون، إن التقليد الأعمى ووصف الإمَّعَة وجهان لعملةٍ واحدة، وهما في الوقت نفسه لا يقتصران على السُّذَّج والرّعَاع من الناس فحسب، بل إن وصف الإمَّعَة يتعدّى إلى ما هو أبعد من ذلك، فكما أنه يكون في الفرد فإنه كذلك في المجتمع بفكره وعاداته وتقاليده، فقد يكون الفرد إمَّعَة، والمجتمع إمَّعَة، والناس إمَّعِين، وقولوا مثل ذلك عفي العامّي والمتعلّم والمنتسب إلى العلم، فإن مجرّد انتساب المرء للعلم لا يعفيه من أنه قد يكون ضحية التقليد الأعمى ومَعَرَّة الوصف بالإمَّعَة إذا ما كان كثير الالتفات، واهن الثقة بالصواب، وعلى هذا يُحمل ما يلاحظ بين الحين والآخر من اضطراب بعض المنتسبين للعلم في المنهج والفتوى، وكثرة التنقّل بين المذاهب والآراء بسبب المؤثّر الخارجي، وفق المزاحمة والضغوط والمحدثات التي تنهش من جسد التشريع، ما يجعل المنتسب للعلم يسير حيث سار الناس، فيُطَوِّع لهم الفقه، ولا يُطَوِّعُهم هم للفقه. يقول ابن مسعود –رضي الله عنه- في مثل هذا: (اغْدُ عالمًا أو متعلّمًا، ولا تغْدُ إمَّعَة فيما بين ذلك).
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )
التعديل الأخير تم بواسطة KaSoFt20o8_Rm ; 06-16-2009 الساعة 12:24 AM.
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )